ابن ميثم البحراني
26
شرح نهج البلاغة
الجبال ، وقد مرّ بيان كلّ ذلك مستقصى في الخطبة الأولى ، وفي هذا الفصل فوايد : الأولى : أنّه لمّا كانت هذه الأجرام في غاية القوّة والعظمة ومع ذلك ففيها من عجائب الصنع وبدايعه ما يبهر العقول ويعجزها عن كيفيّة شرحه لا جرم نسبها إلى اقتدار جبروته وعظمته وبديع لطائف صنعته تنبيها بالاعتبار الأولى على أنّه الأعظم المطلق ، وبالثاني على لطفه وحكمته التامّة ، وكنّى باليبس الجامد عن الأرض . الثانية : الضمير في منه للبحر وفي حدّه إمّا للَّه أو لأمره وقيامها على حدّه كناية عن وقوفها على ما حدّه من المقدار والشكل والهيئة والنهايات ونحوها وعدم خروجها عن ذلك وتجاوزها له ، والضمير المنصوب في يحملها لمعنى اليبس الجامد وهو الأرض ، وكذلك في جلاميدها وما بعده في أرساها وما بعده للجبال ، وفي جبالها وسهو لها وأقطارها للأرض ، وفي قواعدها وقلالها وأنشازها للجبال ، وقد عرفت كيفيّة ذلك الخلق فيما حكاه عليه السّلام في الخطبة الأولى من ثوران الزبد بالريح وارتفاعه إلى الجوّ الواسع وتكوين السماوات عنه . الثالثة : ذلَّة البحر لأمره وإذعانه لهيبته دخوله تحت الإمكان والحاجة إلى قدرته وتصريفها له ، وهو من باب الاستعارة . الرابعة : قوله : على حركتها : أي حال حركتها لأنّ على تفيد الحال ، وقوله : تسيخ بحملها يفهم منه أنّه لولا الجبال كونها أوتادا للأرض لمادّت وساخت بأهلها . فأمّا كونها مانعة لها من الميدان فقد عرفت وجهه في الخطبة الأولى ، وأمّا كونها تسيخ لولاها فلأنّها إذا مادّت انقلبت بأهلها فغاص الوجه الَّذي هم عليه وذلك مراده بسيخها فالمانع بها من الميدان هو المانع بها أن تسيخ أو تزول عن موضعها . الخامسة : أشار بإجمادها بعد رطوبة أكنافها إلى أنّ أصلها من زبد الماء كما أشير إليه من قبل ، ويحتمل أن يشير بذلك إلى ما كان مغمورا بالماء منها . ثمّ سال الماء عنه إلى مواضع أسفل منه فخلا وجفّ وهى مواضع كثيرة مسكونة